بقلم د. عاشور غريانى
ليس كل ألمٍ يُرى، فبعض الأوجاع لا تترك جرحًا على الجسد، لكنها تحفر أخاديد عميقة داخل الروح… هكذا هو الفراق.
ذلك الشعور الذى لا يحتاج حادثًا ولا مرضًا ولا حتى نهاية طبيعية للحياة كى يبدأ، بل يكفى أن يغيب إنسان كان يشغل مساحة الأمان فى قلبك، فتتحول الحياة فجأة إلى مكان واسع بلا دفء.
الفراق ليس مجرد ابتعاد أشخاص، بل هو تبدل كامل فى معنى الأشياء.
الكرسى الذى كان ينتظر صاحبه، يصبح قطعة خشب صامتة، والبيت الذى كان يمتلئ بالضحك يتحول إلى جدران تسمع صدى الذكريات أكثر مما تسمع أصوات الأحياء.

نحن لا نبكى الراحلين لأنهم ماتوا فقط… بل لأن جزءًا منا رحل معهم.
نشتاق لأصواتهم فى التفاصيل الصغيرة: فى الدعاء، فى العتاب، فى السؤال اليومى البسيط "أكلت ولا لسه؟"، تلك الكلمات التى لم نكن ندرك أنها كانت تطمئن قلوبنا أكثر من أى دواء.
والأصعب أن الفراق لا يحدث مرة واحدة… بل يتكرر كل يوم.
يتكرر حين نرى مكانهم فارغًا على مائدة الطعام، حين نبحث عن رقمهم فى الهاتف وندرك أننا لن نسمع الرد مرة أخرى، حين نحتاج نصيحة كنا نأخذها بلا تفكير، فنكتشف فجأة أننا أصبحنا وحدنا فى مواجهة الحياة.
الفراق لا يعلّمنا النسيان كما يظن البعض، بل يعلّمنا معنى التقدير المتأخر.
ندرك بعد الغياب أن اللحظات العادية كانت أعظم النعم، وأن الجلوس بجوار من نحب دون حديث كان فى حد ذاته سعادة لم نعرف قيمتها إلا حين انتهت.
ومع ذلك… فالفراق ليس نهاية العلاقة.
الذين نحبهم لا يرحلون بالكامل، بل ينتقلون من حياتنا إلى قلوبنا.
نعيش بهم ذكرى، ونسير بدعواتهم طريقًا، ونستمد من محبتهم قوةً خفية تجعلنا نواصل الحياة رغم الثقل الذى يسكن الصدر.
الحقيقة التى يتعلمها الإنسان متأخرًا:
أن الموت ينهى العمر… لكن الفراق هو الذى يختبر قوة القلب.
ولعل أجمل ما نملكه تجاه من فارقونا ليس الحزن الدائم، بل الوفاء…
دعاء صادق فى الغيب، وذكر طيب بين الناس، وسيرة حسنة نحملها عنهم وكأنهم ما زالوا بيننا.
فلا أحد يغيب حقًا ما دام يعيش فى الدعاء…
ولا أحد يرحل ما دام أثره باقياً فى القلوب.