الأسر المصرية بين الشاشات الزرقاء والصمت العائلي… حين يتحول البيت إلى غرفة انتظار رقمية

 

بقلم د. عاشور غريانى

لم تعد أخطر الأزمات التي تواجه المجتمع المصري اليوم اقتصادية أو خدمية فقط، بل أصبحت أزمة صامتة تتسلل إلى داخل البيوت دون ضجيج… أزمة التفكك العائلي الرقمي.


نعيش في زمن يجلس فيه أفراد الأسرة الواحدة على مائدة واحدة، لكن كل منهم يعيش في عالم مختلف؛ الأب أمام هاتفه يتابع الأخبار، والأم داخل مجموعات التواصل، والابن في لعبة إلكترونية، والابنة في منصات الفيديو القصير… بينما يغيب الحوار، وتختفي الحكاية اليومية التي كانت تصنع دفء البيت المصري.
هذه ليست مبالغة إعلامية، بل واقع اجتماعي بدأ ينعكس في صورة ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب لدى الأطفال والمراهقين، وتراجع مهارات التواصل لديهم، بل وظهور جيل لا يجيد التعبير عن مشاعره إلا عبر شاشة.
الخطورة الحقيقية لا تكمن في التكنولوجيا نفسها، فهي أداة تقدم وتطور، لكن في استخدامها بلا وعي أو رقابة أو ثقافة رقمية.
فقد أصبح الطفل يقضي أحيانًا من 6 إلى 10 ساعات يوميًا أمام شاشة، وهو رقم يفوق زمن تواصله مع أسرته ومدرسته مجتمعين. ومع مرور الوقت يتحول الهاتف من وسيلة ترفيه إلى بديل عن الأسرة، ثم إلى مرجعية فكرية وسلوكية، وهنا يبدأ الخلل.
نجد طفلًا يتعلم القيم من مؤثر مجهول على الإنترنت، أو مراهقًا يشكل شخصيته من لعبة أو منصة، بينما يتراجع دور الأب والأم من "التوجيه" إلى مجرد "الملاحظة".
الأخطر أن هذا التحول لا يهدد العلاقات فقط، بل يهدد الهوية الثقافية أيضًا. فالكثير من الأطفال باتوا يتحدثون بمصطلحات أجنبية أكثر من العربية، ويتبنون سلوكيات لا تتفق مع طبيعة المجتمع المصري. وهنا تصبح القضية ليست تربية فقط، بل أمنًا فكريًا واجتماعيًا.
الحل لا يكمن في منع الإنترنت أو مصادرة التكنولوجيا، لأن ذلك مستحيل عمليًا، بل في استعادة دور الأسرة الواعية.
المطلوب ليس إبعاد الهاتف عن الطفل، بل تقريب الأب والأم منه. المطلوب هو “البديل”، فالطفل لا يترك الشاشة إلا إذا وجد من يحاوره ويشاركه ويستمع إليه.
نحتاج إلى:
ساعات عائلية يومية بلا هواتف.
أنشطة مشتركة داخل البيت.
متابعة ذكية لا رقابة قمعية.
تثقيف رقمي داخل المدارس.
حملات توعية إعلامية مستمرة.
فالمجتمع لا ينهار فجأة، بل يبدأ الانهيار حين يتوقف الحوار داخل الأسرة.
إن أخطر ما قد نواجهه ليس جيلًا يستخدم التكنولوجيا، بل جيلًا تربى بعيدًا عن أسرته وتعلم الحياة من شاشة لا تعرف قيمه ولا تاريخه ولا إنسانيته.
وفي النهاية…
القضية ليست "هاتفًا في يد طفل"، بل "طفلًا بلا حوار"،
وليست "لعبة إلكترونية"، بل "أسرة فقدت دورها التربوي".
فإذا أردنا حماية المجتمع، فعلينا أولًا حماية الأسرة… لأنها خط الدفاع الأول عن الدولة، وأول مدرسة تبني الإنسان.


أضف تعليق

كود امني
تحديث

كاريكاتير