أمانة الروح وظلمة الجرح ـ مصر اليوم العربية 

 

​بقلمي/ مصطفى عبد الله

​كل إنسان منا يمر بظروف تجعله إما ينهار أو يقوى، ليس منا من هو أفضل من غيره.

ولكن فينا من تعلم كيف يواجه الصدمات
فمنحته تجاربه قدرة التعامل مع الضغوط والمواقف القاسية، وآخر ينهار مع أول امتحان.

فالنفس البشرية هي كالمعادن، تتمدد وتتقلص تحت حرارة الأزمات.

​ المأساة ليست أن يفكر الإنسان في النهاية،
بل أن تغلق الحياة في وعيه حتى تصبح النهاية أمله الوحيد.

حيث لا يقف الإنسان على حافة الموت فقط،
بل على حافة وعيه وإدراكه نفسه.

حيث تتراجع القدرة على الرؤية، ويصبح الوجود كله بلا معني وألما واحدا لا يتعدد.

وتضيق نافذة الإدراك، وتتراجع القدرة على التذكر أو استحضار المعاني الدينية والأخلاقية.

فالانتحار هو انهيار في الكينونة أمام غريزة البقاء، و​يتقدم العقل الانفعالي ليحجب العقل الواعي.

وفي ذلك المنعطف، يتوقف الموت عن كونه شبحًا مخيفا، ليغدو فكرة محايدة، وربما استراحة مؤجلة طال انتظارها.

لا يرى الإنسان نفسه إلا من منظور النقص، ولا يرى الوجود إلا من عدسة الخذلان، ويغدو المستقبل مجرد امتداد مشوه للحاضر.

وفي ميزان الشريعة بين الحق والرحمة، تتجلى رحمة الله وعدله في أسمى صورها.

وتقرر الشريعة أن النفس أمانة مصونة، ووديعة من الله يسأل عنها العبد يوم يلقاه.

لذا كانت حياتنا ليست ملكا لنا نتصرف فيها كيف نشاء، بل حقا لله في خلقه، ومن هنا اتفقت الشرائع على تحريم قتل النفس، واعتبرت الانتحار من كبائر الذنوب التي لا تخرج صاحبها من الملة ما لم يستحلها.

​ومع هذا الحسم، لا تختزل الشريعة الإنسان في فعل عابر، بل تفرق بين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل.

فالفعل يوزن بميزان العدل الصارم، بينما ينظر للفاعل بعين الرحمة التي تسع سياقه وظروفه.

والتكليف الشرعي مرتبط بالعقل والإدراك والإرادة، فيرتفع الإثم عند زوال العقل أو فقدان الإدراك المعتبر شرعا كحالات الجنون أو الإغماء أو ما في حكمهما.

أما شدة الألم أو الاضطراب النفسي فلا تسقط التكليف في ذاته ما لم يبلغ حدّ زوال الإدراك والتمييز..

​لا نطلق حكما على الأشخاص بلقطة عابرة، بل نرد الأمر لمجموع الحال وتحقق الشروط وانتفاء الموانع، والله وحده أعلم بالسرائر وما خفي في الصدور.

#دكتور_مصطفى_عبدالله


أضف تعليق

كود امني
تحديث

كاريكاتير